إستاديو دا لوز: النسر والملعب الأكثر حضورًا في البرتغال

 

في 4 يناير 1987 حضر ما يقارب 135 ألف متفرج مباراة بين بنفيكا وبورتو في ملعب إستاديو دا لوز القديم. الرقم يتجاوز ربع سكان لشبونة اليوم. ذلك الملعب لم يعد قائمًا، وحلّ مكانه مبنى أصغر بكثير وأكثر حداثة، لكن العلاقة التي أنتجت ذلك الرقم ما زالت قائمة: بنفيكا هو النادي الأعلى حضورًا في البرتغال بفارق واضح. هذه المقالة تشرح إستاديو دا لوز: تاريخ الملعبين، وسعته، وطقس النسر الذي يسبق كل مباراة.

الموقع والاسم

يقع الملعب شمال لشبونة على بعد نحو ثمانية كيلومترات من مركز المدينة، وتخدمه محطتان على الخط الأزرق للمترو، أشهرهما محطة كوليجيو ميليتار/لوز.

اسم "لوز" يعني الضوء بالبرتغالية، وهو مستمد من اسم الحي المحيط المنسوب إلى كنيسة سيدة النور. أما الاسم الرسمي للملعب فهو ملعب سبورت لشبونة وبنفيكا، والعنوان يحمل اسم أوسيبيو، أشهر لاعب في تاريخ النادي.

ويُعرف الملعب محليًا بلقب آخر أشهر من اسمه: "الكاتدرائية"، وهو لقب انتقل إليه من الملعب القديم.

الملعب القديم: أكبر ملاعب أوروبا

بدأ بناء الملعب الأول في يونيو 1953، وافتُتح في 1 ديسمبر 1954، وهو يوم عطلة وطنية في البرتغال، بمباراة أمام الغريم بورتو.

بدأ بسعة 40 ألف متفرج على طبقتين، ثم فرضت سنوات بنفيكا الذهبية في الستينيات توسعات متتالية. اكتملت المرحلة الأولى من الطبقة الثالثة عام 1960 فارتفعت السعة إلى 70 ألفًا، ثم اكتملت الطبقة الثالثة بالكامل عام 1985 لتصل السعة الرسمية إلى 120 ألف متفرج.

ولأن المدرجات لم تكن مقاعد فردية، تجاوز الحضور الفعلي هذا الرقم في مناسبات عدة، وأشهرها مباراة يناير 1987 أمام بورتو التي قُدّر حضورها بين 135 و140 ألفًا.

كان ذلك الملعب في فترة من الفترات الأكبر في أوروبا والثالث في العالم. وقد أُغلق في مارس 2003 وهُدم في العام نفسه.

لماذا هُدم

السبب الأول تنظيمي. فمعايير السلامة الأوروبية بعد التسعينيات فرضت مقاعد فردية بدل مدرجات الوقوف، وهو ما كان سيقلص سعة الملعب القديم إلى أقل من نصفها ويجعل معظم مساحته بلا وظيفة.

السبب الثاني أن البرتغال فازت باستضافة بطولة أمم أوروبا 2004، وكان مطلوبًا ملعب حديث في لشبونة يستضيف المباراة النهائية.

فكان القرار بناء ملعب جديد بدل ترميم القديم، على مقربة من موقعه، مع الاحتفاظ بالاسم واللقب.

الملعب الجديد

افتُتح إستاديو دا لوز الحالي في 25 أكتوبر 2003 بمباراة ودية أمام نادي ناسيونال الأوروغوياني، فاز فيها بنفيكا 2-1 بهدفين لنونو غوميز أمام 65,400 متفرج.

بلغت تكلفة البناء نحو 160 مليون يورو، وتولى التصميم مكتب HOK Sport الذي صار لاحقًا بوبيولوس، بإشراف المعماري دايمون لافيل.

وقد بُني المشروع كله حول فكرة واحدة: الضوء. فالسقف مصنوع من مادة البولي كربونات التي تسمح بمرور أشعة الشمس إلى داخل الملعب، وهو ما يخدم نمو العشب ويمنح المبنى إضاءة طبيعية نادرة في الملاعب الحديثة.

يرتكز السقف على أربعة أقواس فولاذية ضخمة يبلغ ارتفاعها نحو 43 مترًا، وقد صُممت لتحاكي الخط المتموج للمدرجات الثلاثية، فتبدو وكأنها تطفو فوق المبنى.

السعة اليوم

تبلغ السعة الحالية 68,100 متفرج، بعد أعمال تطوير اكتملت في يوليو 2025 رفعت الرقم عن مستواه السابق الذي كان يدور حول 65 ألفًا.

والرقم القياسي لحضور مباراة في الملعب الجديد سُجّل في 17 فبراير 2026، حين حضر 66,387 متفرجًا مواجهة أمام ريال مدريد انتهت بخسارة بنفيكا بهدف نظيف.

وقد أعلن رئيس النادي روي كوستا نية رفع السعة إلى 70 ألف مقعد، استنادًا إلى أرقام الحضور المرتفعة باستمرار.

الأكثر حضورًا في البرتغال

الأرقام هنا حاسمة. في النصف الأول من موسم 2024-2025 بلغ متوسط الحضور في مباريات بنفيكا المحلية 60,110 متفرجين عبر تسع مباريات، بنسبة إشغال تقارب 93.5%، وهي الأعلى بين أندية الدوري البرتغالي الثمانية عشر.

مجموع من حضروا تلك المباريات التسع تجاوز 540 ألف متفرج، وهو رقم استثنائي بمقاييس دوري لا يقارن حجمه السوقي بالدوريات الخمسة الكبرى.

وهذه واحدة من خصائص بنفيكا: قاعدة أعضاء ضخمة تُعد من الأكبر في كرة القدم على مستوى العالم، وارتباط جماهيري يمتد إلى الجاليات البرتغالية خارج البلاد.

النسر: طقس ما قبل المباراة

قبل كل مباراة على أرضه، يطلق النادي نسرًا يحلّق فوق الملعب ثم يحطّ على شعار بنفيكا وسط هتاف المدرجات.

النسر رمز النادي منذ تأسيسه، وأول نسر أدى هذا الطقس في الملعب الجديد منذ افتتاحه عام 2003 حمل اسم "فيتوريا"، أي النصر بالبرتغالية، وتوارثت الاسم نسور أخرى بعده.

وظيفة هذا الطقس تتجاوز الاستعراض. فهو يوحّد إيقاع المدرجات في اللحظات الأخيرة قبل صافرة البداية، ويمنح تجربة الملعب طابعًا لا يتكرر في ملاعب أخرى، وصار أحد أكثر مشاهد الكرة البرتغالية تداولًا في الإعلام العالمي.

الملعب في البطولات الكبرى

استضاف إستاديو دا لوز خمس مباريات في بطولة أمم أوروبا 2004، من بينها المباراة النهائية التي خسرها المنتخب البرتغالي أمام اليونان على أرضه.

كما استضاف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2014، ثم نهائي 2020 الذي نُقل إليه من إسطنبول بسبب جائحة كورونا، وفاز فيه بايرن ميونخ على باريس سان جيرمان بهدف نظيف في مباراة أقيمت دون جمهور.

وإلى جانب كرة القدم، استضاف الملعب حفلات لفنانين عالميين كبار خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى فعاليات دينية وثقافية ضخمة.

قاعدة الأعضاء: الرقم الحقيقي وراء الحضور

الحضور المرتفع في إستاديو دا لوز ليس صدفة ولا نتيجة نجاح موسمي، بل انعكاس لبنية العضوية في النادي.

بنفيكا يعمل بنظام الأعضاء المدفوع، ويملك واحدة من أكبر قواعد الأعضاء في كرة القدم عالميًا. والعضو ليس مشجعًا عاديًا، بل صاحب أولوية في التذاكر وصوت في انتخابات النادي.

هذا النظام يخلق طلبًا ثابتًا لا يتأثر كثيرًا بترتيب الفريق، ويجعل نسبة الإشغال مرتفعة حتى في المباريات التي تُصنَّف أقل أهمية، وهو ما يفسّر تفوق النادي على منافسيه المحليين في هذا المؤشر.

أرقام سريعة عن إستاديو دا لوز

  • افتتاح الملعب القديم: 1 ديسمبر 1954

  • أعلى حضور في الملعب القديم: نحو 135 ألفًا عام 1987

  • افتتاح الملعب الحالي: 25 أكتوبر 2003

  • السعة الحالية: 68,100

  • التكلفة: نحو 160 مليون يورو

  • المصمم: مكتب HOK Sport (بوبيولوس حاليًا)

  • ارتفاع الأقواس: نحو 43 مترًا

  • أجنحة الضيافة: 156

مباراة بلا جمهور في افتتاح الموسم

في 9 أغسطس 2026 افتتح بنفيكا موسم الدوري البرتغالي على أرضه بتعادل 2-2 أمام أكاديميكو دي فيزيو، سجل خلاله بافليديس وبريستياني.

اللافت أن المباراة أقيمت خلف أبواب موصدة دون جمهور. وهذه عقوبة تُفرض أحيانًا على الأندية بسبب أحداث جماهيرية سابقة، وأثرها في ملعب كهذا أكبر منه في غيره.

السبب أن جزءًا كبيرًا من قوة بنفيكا على أرضه مصدره المدرجات نفسها. ملعب بسعة تقارب 68 ألفًا يلعب فيه الفريق أمام مقاعد فارغة يفقد ميزته الأساسية، ويتحول عامل الأرض إلى رقم على الورق فقط.

ملعب يملكه ناديه

على عكس كثير من ملاعب أوروبا الجنوبية، يملك بنفيكا ملعبه ويشغّله بنفسه.

هذا الترتيب يمنح النادي سيطرة كاملة على إيرادات يوم المباراة والفعاليات والجولات السياحية والمتحف، وهو مصدر دخل مهم في دوري لا تدر فيه حقوق البث ما تدره في الدوريات الكبرى.

ويشرح ذلك جزءًا من نموذج بنفيكا الاقتصادي القائم على ثلاثة أعمدة: إيرادات الملعب، وقاعدة الأعضاء، وبيع اللاعبين الشباب إلى أندية أوروبا الكبرى بأرقام مرتفعة.

الملعب في المشهد البرتغالي

بنفيكا ليس وحده في لشبونة. فالمدينة تضم أيضًا سبورتينغ لشبونة بملعبه الخاص، وبينهما ديربي من أشد المواجهات في البرتغال.

ما يميز إستاديو دا لوز في هذا المشهد هو الحجم. فهو الأكبر في البرتغال، ويتفوق في السعة على ملاعب المنافسين المحليين، وهو ما يمنح بنفيكا أفضلية في إيرادات يوم المباراة داخل سوق محدود أصلًا.

كما أن الملعب مرشح دائم في ملفات استضافة البطولات الكبرى التي تشارك فيها البرتغال، بحكم سعته ومرافقه وتصنيفه الأوروبي.

الزيارة والمتحف

يضم المبنى متحف بنفيكا الذي يعرض تاريخ النادي وكؤوسه، إلى جانب جولات داخل الملعب تشمل غرف الملابس والنفق ومنطقة الصحافة.

وسهولة الوصول عبر المترو تجعل الملعب من أكثر المعالم الرياضية زيارة في لشبونة، خصوصًا لدى السياح الذين يجمعون بين زيارة المدينة وحضور مباراة.

الكاتدرائية ومعنى اللقب

لقب "الكاتدرائية" لم يُطلق على المبنى لأسباب معمارية، بل بسبب حجمه وطقوسه.

الملعب القديم بمدرجاته الثلاثية وسعته التي تجاوزت المئة ألف كان يبدو أقرب إلى بناء ديني منه إلى منشأة رياضية، وانتقل اللقب إلى الملعب الجديد رغم أن سعته أقل بكثير.

وفي المدرجات مصطلح آخر متداول هو "جحيم لوز"، ويصف الحالة التي تصل إليها الأجواء في الليالي الكبرى. وقد استخدم رئيس النادي هذا التعبير نفسه حين تحدث عن رفع السعة، بوصف أن زيادة المقاعد تعني مزيدًا من الأصوات لا مزيدًا من الإيرادات وحدها.

الخلاصة

الفارق بين الملعبين يلخص تحولًا شهدته كرة القدم الأوروبية كلها: من 135 ألف متفرج واقفين في مدرجات مكشوفة، إلى 68 ألفًا جالسين تحت سقف شفاف بمرافق حديثة.

ما لم يتغير هو نسبة الإشغال. فالملعب الذي امتلأ في الثمانينيات ما زال يمتلئ اليوم، وهذا هو المقياس الذي يفصل بين ملعب كبير وملعب مهم.



إرسال تعليق

0 تعليقات